الغزالي
82
إحياء علوم الدين
واجبا عليهم . وربما لا يختلف إليه ما لم يتكفل برزق له على الإدرار ، ثم إن المدرس المسكين قد يعجز عن القيام بذلك من ماله ، فلا يزال مترددا إلى أبواب السلاطين ، ويقاسى الذل والشدائد مقاساة الذليل المهين ، حتى يكتب له على بعض وجوه السحت مال حرام ، ثم لا يزال العامل يسترقه ويستخدمه ، ويمتهنه ويستذله ، إلى أن يسلم إليه ما يقدره نعمة مستأنفة من عنده عليه ، ثم يبقى في مقاساة القسمة على أصحابه ، إن سوّى بينهم مقته المميزون ونسبوه إلى الحمق وقلة التمييز ، والقصور عن درك مصارفات الفضل ، والقيام في مقادير الحقوق بالعدل . وإن فاوت بينهم سلقه السفهاء بألسنة حدود ، وثاروا عليه ثوران الأساود والآساد . فلا يزال في مقاساتهم في الدنيا ، وفي مطالبة ما يأخذه ويفرقه عليهم في العقى والعجب أنه مع هذا البلاء كله ، يمني نفسه بالأباطيل ، ويدليها بحبل الغرور . ويقول لها : لا تفترى عن صنيعك ، فإنما أنت بما تفعلينه مريدة وجه الله تعالى ، ومذيعة شرع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، وناشرة علم دين الله ، وقائمة بكفاية طلاب العلم من عباد الله ، وأموال السلاطين لا مالك لها ، وهي مرصدة للمصالح ، وأي مصلحة أكبر من تكثير أهل العلم ؟ فبهم يظهر الدين ويتقوى أهله . ولو لم يكن ضحكة للشيطان لعلم بأدنى تأمل ، أن فساد الزمان لا سبب له إلا كثرة أمثال أولئك الفقهاء ، الذين يأكلون ما يجدون ، ولا يميزون بين الحلال والحرام ، فتلحظهم أعين الجهال ، ويستجرؤن على المعاصي باستجرائهم ، اقتداء بهم ، واقتفاء لآثارهم . ولذلك قيل : ما فسدت الرعية إلا بفساد الملوك ، وما فسدت الملوك إلا بفساد العلماء . فنعوذ باللَّه من الغرور والعمى ، فإنه الداء الذي ليس له دواء الفائدة الثانية النفع والانتفاع . أما الانتفاع بالناس فبالكسب والمعاملة . وذلك لا يتأتى إلا بالمخالطة والمحتاج إليه مضطر إلى ترك العزلة . فيقع في جهاد من المخالطة إن طلب موافقة الشرع فيه كما ذكرناه في كتاب الكسب ، فإن كان معه مال لو اكتفى به قانعا لأقنعه ، فالعزلة أفضل له إذا انسدت طرق المكاسب في الأكثر إلا من المعاصي . إلا أن يكون غرضه الكسب للصدقة ، فإذا اكتسب من وجهه وتصدق به ، فهو أفضل من العزلة ، للاشتغال بالنافلة